فصل: الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي اسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (نسخة منقحة)



.[الْمَسْأَلَةُ الأُولَى]: [فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُنْتَبَذُ فِيهَا حكمها]:

فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَسْقِيَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَلَمْ يَكْرَهْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي كَرِهَهَا الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُوَطَّأِ: «أَنَّ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ». وَجَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، فَانْتَبِذُوا وَلَا أُحِلُّ مُسْكِرًا». وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». فَمَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي إِذْ لَمْ يُعْلَمُ هَاهُنَا نَهْيٌ مُتَقَدِّمٌ غَيْرُ ذَلِكَ قَالَ: يَجُوزُ الِانْتِبَاذُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنِ الِانْتِبَاذِ مُطْلَقًا قَالَ: بَقِيَ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوَانِي. فَمَنِ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بِالْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ. وَمَنِ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِالْأَرْبَعَةِ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَزِيدًا، وَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْحَنْتَمِ، وَفِيهِ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُزَفَّتٍ.

.[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ]: [فِي انْتِبَاذِ الْخَلِيطَيْنِ]:

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (وَهِيَ انْتِبَاذُ الْخَلِيطَيْنِ): فَإِنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا بِتَحْرِيمِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْبَلَ الِانْتِبَاذَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الِانْتِبَاذُ مَكْرُوهٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُبَاحٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ خَلِيطَيْنِ فَهُمَا حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِمَّا يَقْبَلَانِ الِانْتِبَاذَ فِيمَا أَحْسَبُ الْآنَ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُهُمْ فِي هَلِ النَّهْيُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْحَظْرِ؟
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ عَلَى الْحَظْرِ، فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟
وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ، وَالْبُسْرُ وَالزَّبِيبُ» وَفِي بَعْضِهَا: أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَلَا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا، وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ». فَيَخْرُجُ فِي ذَلِكَ بِحَسِبِ التَّأْوِيلِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ: قَوْلٌ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَوْلٌ بِتَحْلِيلِهِ مَعَ الْإِثْمِ فِي الِانْتِبَاذِ، وَقَوْلٌ بِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُبَاحٌ، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ الْأَثَرِ بِالِانْتِبَاذِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ كُلَّ خَلِيطَيْنِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ هُوَ الِاخْتِلَاطُ لَا مَا يَحْدَثُ عَنِ الِاخْتِلَاطِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا تَخَلَّلَتْ مِنْ ذَاتِهَا جَازَ أَكْلُهَا. وَاخْتَلَفُوا إِذَا قُصِدَ تَخْلِيلُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: التَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهِيَةِ، وَالْإِبَاحَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْأَثَرِ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ خَرَّجَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: «أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟
قَالَ: لَا»
. فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْمَنْعِ سَدَّ ذَرِيعَةٍ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ. وَمَنْ فَهِمَ النَّهْيَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ. وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا تَحْرِيمَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ بِفَسَادِ الْمَنْهِيِّ. وَالْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِحَمْلِ الْخَلِّ عَلَى التَّحْرِيمِ: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُخْتَلِفَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذَّوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَنَّ الْخَمْرَ غَيْرُ ذَاتِ الْخَلِّ، وَالْخَلُّ بِإِجْمَاعٍ حَلَالٌ، فَإِذَا انْتَقَلَتْ ذَاتُ الْخَمْرِ إِلَى ذَاتِ الْخَلِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا كَيْفَمَا انْتَقَلَ.

.الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي اسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ:

وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}. وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي السَّبَبِ الْمُحَلِّلِ، وَفِي جِنْسِ الشَّيْءِ الْمُحَلَّلِ، وَفِي مِقْدَارِهِ. فَأَمَّا السَّبَبُ: فَهُوَ ضَرُورَةُ التَّغَذِّي (أَعْنِي: إِذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا حَلَالًا يَتَغَذَّى بِهِ)، وَهُوَ لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: طَلَبُ الْبُرْءِ، وَهَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَمَنْ أَجَازَهُ احْتَجَّ بِإِبَاحَةِ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحَرِيرَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِمَكَانِ حَكَّةٍ بِهِ. وَمَنْ مَنَعَهُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا».
وَأَمَّا جِنْسُ الشَّيْءِ الْمُسْتَبَاحِ: فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ مِثْلَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا. وَالِاخْتِلَافُ فِي الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ هُوَ مِنْ قِبَلِ التَّدَاوِي بِهَا لَا مِنْ قِبَلِ اسْتِعْمَالِهَا فِي التَّغَذِّي، وَلِذَلِكَ أَجَازُوا لِلْعَطْشَانِ أَنْ يَشْرَبَهَا إِنْ كَانَ مِنْهَا رِيٌّ، وَلِلشَّرِقِ أَنْ يُزِيلَ شَرَقَهُ بِهَا.
وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يُؤْكَلُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَدُّ ذَلِكَ الشِّبَعُ، وَالتَّزَوُّدُ مِنْهَا حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَأْكُلُ مِنْهَا إِلَّا مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هَلِ الْمُبَاحُ لَهُ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ هُوَ جَمِيعُهَا، أَمْ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ فَقَطْ؟
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمِيعُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ إِذَا كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.

.كِتَابُ النِّكَاحِ:

وَأُصُولُ هَذَا الْكِتَابِ تَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ النِّكَاحِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مُوجِبَاتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الْأَنْكِحَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَالْفَاسِدَةِ.

.الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ النِّكَاحِ:

وَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: فِي حُكْمِ النِّكَاحِ، وَفِي حُكْمِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَفِي الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ، وَفِي النَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ.

.[الْمَسْأَلَةُ الأُولَى]: [حُكْمُ النِّكَاحِ]:

فَأَمَّا حُكْمُ النِّكَاحِ: فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ. وَقَالَتِ الْمُتَأَخِّرَةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ وَاجِبٌ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مُبَاحٌ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَنَتِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تُحْمَلُ صِيغَةُ الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}، وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَنَاكَحُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ»، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَمْ عَلَى النَّدْبِ أَمْ عَلَى الْإِبَاحَةِ؟
فَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ وَاجِبٌ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَفِي حَقِّ بَعْضِهِمْ مُبَاحٌ، فَهُوَ الْتِفَاتٌ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقِيَاسِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمُرْسَلَ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَوْلُ بِهِ.

.[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ]: [خُطْبَةُ النِّكَاحِ حكمها]:

وَأَمَّا خُطْبَةُ النِّكَاحِ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْجُمْهُورِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَقَالَ دَاوُدُ: هِيَ وَاجِبَةٌ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يُحْمَلُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟

.[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ]: [الْخِطْبَةُ عَلَى الْخِطْبَةِ حكمها]:

فَأَمَّا الْخِطْبَةُ عَلَى الْخِطْبَةِ: فَإِنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَا يَدُلُّ، وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ فَفِي أَيِّ حَالَةٍ يَدُلُّ؟
فَقَالَ دَاوُدُ: يُفْسَخُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْسَخُ. وَعَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يُفْسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا يُفْسَخَ بَعْدَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنَّمَا مَعْنَى النَّهْيِ إِذَا خَطَبَ رَجُلٌ صَالِحٌ عَلَى خِطْبَةِ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ صَالِحٍ وَالثَّانِي صَالِحًا جَازَ.
وَأَمَّا الْوَقْتُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَهُوَ إِذَا رَكَنَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لَا فِي أَوَّلِ الْخِطْبَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «حَيْثُ جَاءَتْ إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَطَبَاهَا، فَقَالَ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ لَا يَرْفَعُ عَصَاهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَلَكِنِ انْكِحِي أُسَامَةَ».

.[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ]: [النَّظَرُ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ]:

وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ. وَأَجَازَ ذَلِكَ غَيْرُهُ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ عَدَا السَّوْأَتَيْنِ. وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ النَّظَرَ إِلَى الْقَدَمَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، وَوَرَدَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَوَرَدَ مُقَيَّدًا: (أَعْنِي بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) عَلَى مَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} إِنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ كَشْفِهِمَا فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَمَنْ مَنَعَ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ.

.الْبَابُ الثَّانِي: فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ:

وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ. الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.

.الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ:

وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ أَمْ لَا يَجُوزُ؟
وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ، أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟

.الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: [كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ عقد النكاح]:

الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ (أَعْنِي الرِّضَا).
وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ. وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ. وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا». وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ مِمَّنْ إِذْنُهُ اللَّفْظُ، وَكَذَلِكَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ. وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَوْ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعَ النِّيَّةِ اللَّفْظُ الْخَاصُّ بِهِ؟
أَمْ لَيْسَ مِنْ صِحَّتِهِ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ؟
فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْعُقُودِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الْأَمْرَانِ قَالَ: لَا نِكَاحَ مُنْعَقِدٌ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اعْتِبَارًا بِمَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ أَجَازَ النِّكَاحَ بِأَيِّ لَفْظٍ اتَّفَقَ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ مِنْ ذَلِكَ (أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مُشَارَكَةٌ).

.الْمَوْضِعُ الثَّانِي مَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ:

وَأَمَّا مَنِ الْمُعْتَبَرُ قَبُولُهُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ: فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَا الْمُتَنَاكِحَيْنِ أَنْفُسِهِمَا (أَعْنِي: الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ) إِمَّا مَعَ الْوَلِيِّ، وَإِمَّا دُونَهُ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الْوَلِيَّ فِي رِضَا الْمَرْأَةِ الْمَالِكَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا. وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَا الْأَوْلِيَاءِ في النكاح فَقَطْ. وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مَسَائِلُ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا، وَمَسَائِلُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا قَوَاعِدَهَا وَأُصُولَهَا فَنَقُولُ: أَمَّا الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ الْأَحْرَارُ الْمَالِكُونَ لِأَمْرِ أَنْفُسِهِمْ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ رِضَاهُمْ وَقَبُولِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجْبُرُ الْعَبْدَ عَلَى النِّكَاحِ سَيِّدُهُ، وَالْوَصِيُّ مَحْجُورَهُ الْبَالِغَ أَمْ لَيْسَ يُجْبِرُهُ؟
فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْبِرُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبِرُهُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِ السَّيِّدِ أَمْ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِهِ؟
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي جَبْرِ الْوَصِيِّ مَحْجُورَهُ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النِّكَاحُ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْمَنْظُورِ لَهُ، أَمْ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْمَلَاذُّ؟
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النِّكَاحَ وَاجِبٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ اللَّاتِي يُعْتَبَرُ رِضَاهُنَّ فِي النِّكَاحِ: فَاتَّفَقُوا عَلَى اعْتِبَارِ رِضَا الثَّيِّبِ الْبَالِغِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَالثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ وَفِي الثَّيِّبِ الْغَيْرِ الْبَالِغِ مَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ مِنْهَا الْفَسَادُ.
فَأَمَّا الْبِكْرُ الْبَالِغُ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لِلْأَبِ فَقَطْ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى النِّكَاحِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْبِكْرِ الْمُعَنَّسَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذَا لِلْعُمُومِ: وَذَلِكَ أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا». وَقَوْلِهِ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ بِخِلَافِ الْيَتِيمَةِ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورِ: «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ» يُوجِبُ بِعُمُومِهِ اسْتِئْمَارَ كُلِّ بَكْرٍ، وَالْعُمُومُ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ، مَعَ أَنَّهُ خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ زِيَادَةً، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ.
وَأَمَّا الثَّيِّبُ الْغَيْرُ الْبَالِغِ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: يُجْبِرُهَا الْأَبُ عَلَى النِّكَاحِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْبِرُهَا. وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: إِنَّ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّ الْأَبَ يُجْبِرُهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. وَقَوْلٌ إِنَّهُ يُجْبِرُهَا وَإِنْ بَلَغَتْ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا يُجْبِرُهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ. وَالَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ: هُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَهْلُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ كَابْنِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْعُمُومِ: وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا وَلَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ إِلَّا بِإِذْنِهَا»، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ ذَاتَ الْأَبِ لَا تُسْتَأْمَرُ، إِلَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ اسْتِئْمَارِ الثَّيِّبِ الْبَالِغِ. وَعُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» يَتَنَاوَلُ الْبَالِغَ وَغَيْرَ الْبَالِغِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَلِاخْتِلَافِهِمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْقِيَاسِ مِنْ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ الْبِكْرَ غَيْرَ الْبَالِغِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْبِرُ الثَّيِّبَ الْبَالِغَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا قُلْنَا اخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ الْإِجْبَارِ، هَلْ هُوَ الْبَكَارَةُ أَوِ الصِّغَرُ؟
فَمَنْ قَالَ: الصِّغَرُ قَالَ: لَا تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ. وَمَنْ قَالَ: الْبَكَارَةُ قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرَ الْبَالِغُ، وَلَا تُجْبَرُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ. وَمَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْإِجْبَارَ إِذَا انْفَرَدَ، قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ وَالثَّيِّبُ غَيْرُ الْبَالِغِ. وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ تَعْلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّالِثُ تَعْلِيلُ مَالِكٍ. وَالْأُصُولُ أَكْثَرُ شَهَادَةً لِتَعْلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الثُّيُوبَةِ الَّتِي تَرْفَعُ الْإِجْبَارَ وَتُوجِبُ النُّطْقَ بِالرِّضَا أَوِ الرَّدَّ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا الثُّيُوبَةُ الَّتِي تَكُونُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِزِنًى وَلَا بِغَصْبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كَلُّ ثُيُوبَةٍ تَرْفَعُ الْإِجْبَارِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» بِالثُّيُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ بِالثُّيُوبَةِ اللُّغَوِيَّةِ؟
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْبِكْرَ وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا لِمَا ثَبَتَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِنْتَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَبَنَى بِهَا بِنْتَ تِسْعٍ بِإِنْكَاحِ أَبِي بَكْرٍ أَبِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» إِلَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْخِلَافِ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟
وَالثَّانِيَةُ: هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ غَيْرُ الْأَبِ؟

.[الْمَسْأَلَةُ الأُولَى]: [هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ؟

]:
فَأَمَّا هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ أَمْ لَا؟
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهَا الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَالْأَبُ فَقَطْ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا الْأَبُ فَقَطْ، أَوْ مَنْ جَعَلَ الْأَبُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا عَيَّنَ الزَّوْجَ إِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا الضَّيْعَةُ وَالْفَسَادُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ كُلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ مِنْ أَبٍ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ بَكْرٍ إِلَّا ذَاتَ الْأَبِ الَّتِي خَصَّصَهَا الْإِجْمَاعُ، إِلَّا الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَكَوْنُ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ مَعْلُومًا مِنْهُمُ النَّظَرُ وَالْمَصْلَحَةُ لِوَلِيَّتِهِمْ يُوجِبُ أَنْ يُلْحَقُوا بِالْأَبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ جَمِيعَ الْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ الْجَدَّ فَقَطْ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَبِ إِذْ كَانَ أَبًا أَعْلَى، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ. وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ رَأَى أَنَّ مَا لِلْأَبِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ لِغَيْرِهِ، إِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الشَّرْعَ خَصَّهُ بِذَلِكَ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا يُوجَدَ فِيهِ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يُوجَدَ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ ضَرُورَةٌ. وَقَدِ احْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِجَوَازِ إِنْكَاحِ الصِّغَارِ غَيْرُ الْآبَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} قَالَ: وَالْيَتِيمُ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى غَيْرِ الْبَالِغَةِ. وَالْفَرِيقُ الثَّانِي قَالُوا: إِنَّ اسْمَ الْيَتِيمِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى بَالِغَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ» وَالْمُسْتَأْمَرَةُ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَهِيَ الْبَالِغَةُ، فَيَكُونُ لِاخْتِلَافِهِمْ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ اشْتِرَاكُ اسْمِ الْيَتِيمِ. وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ لَمْ يُجِزْ نِكَاحَ غَيْرِ الْأَبِ لَهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا» قَالُوا: وَالصَّغِيرَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِئْمَارِ بِاتِّفَاقٍ، فَوَجَبَ الْمَنْعُ، وَلِأُولَئِكَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذَا حُكْمُ الْيَتِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِئْمَارِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهَا.

.[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ]: [هَلْ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ غَيْرُ الْأَبِ؟

]:
وَأَمَّا: هَلْ يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ غَيْرُ الْأَبِ الصَّغِيرَ؟
فَإِنَّ مَالِكًا أَجَازَهُ لِلْوَصِيِّ، وَأَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَهُ لِلْأَوْلِيَاءِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ الْخِيَارَ لَهُ إِذَا بَلَغَ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ إِنْكَاحُهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: قِيَاسُ غَيْرِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ: فَمَنْ رَأَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمَوْجُودَ فِيهِ الَّذِي جَازَ لِلْأَبِ بِهِ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَ مِنْ وَلَدِهِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْأَبِ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ أَجَازَ ذَلِكَ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ فِي ذَلِكَ وَالصَّغِيرَةِ فَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ إِذَا بَلَغَ وَلَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمَا الْخِيَارَ إِذَا بَلَغَا.

.الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ هَلْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْخِيَارِ:

وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ (وَهُوَ: هَلْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْخِيَارِ؟
): فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَجُوزُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ النِّكَاحِ بَيْنَ الْبُيُوعِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ، وَالْبُيُوعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ. أَوْ نَقُولُ إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ لَا خِيَارَ إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ، وَعَلَى الْمُثْبِتِ لِلْخِيَارِ الدَّلِيلُ. أَوْ نَقُولُ: إِنَّ أَصْلَ مَنْعِ الْخِيَارِ فِي الْبُيُوعِ هُوَ الْغَرَرُ، وَالْأَنْكِحَةُ لَا غَرَرَ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْمُكَارَمَةُ لَا الْمُكَايَسَةُ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْخِيَارِ وَالرُّؤْيَةِ فِي النِّكَاحِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْبُيُوعِ.

.الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ تَرَاخِي الْقَبُولِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَنِ الْعَقْدِ:

وَأَمَّا تَرَاخِي الْقَبُولِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَنِ الْعَقْدِ، فَأَجَازَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُنْكِحَ الْوَلِيُّ امْرَأَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَيَبْلُغَهَا النِّكَاحُ فَتُجِيزَهُ، وَمِمَّنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا الشَّافِعِيُّ. وَمِمَّنْ أَجَازَهُ مُطْلَقًا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ لِمَالِكٍ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ وُجُودُ الْقَبُولِ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعًا، أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟
وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ عَرَضَ فِي الْبَيْعِ.

.الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الْعَقْدِ:

وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْلِيَاءِ.
الثَّانِي: فِي الشُّهُودِ.
الثَّالِثُ: فِي الصَّدَاقِ.

.الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْأَوْلِيَاءِ:

وَالنَّظَرُ فِي الْأَوْلِيَاءِ فِي مَوَاضِعَ أَرْبَعَةٍ:
الْأَوَّلُ: فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الْوَلِيِّ.
الثَّالِثُ: فِي أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْوِلَايَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
الرَّابِعُ: فِي عَضْلِ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَلُونَهُمْ، وَحُكْمِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالْمَوْلَى عَلَيْهِ.

.الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ:

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلِ الْوِلَايَةُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ أَمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؟
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ نِكَاحٌ إِلَّا بِوَلِيٍّ، وَأَنَّهَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ: إِذَا عَقَدَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَكَانَ كُفُؤًا جَازَ. وَفَرَّقَ دَاوُدُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الثَّيِّبِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوِلَايَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّ اشْتِرَاطَهَا سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْمِيرَاثَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ غَيْرِ الشَّرِيفَةِ أَنْ تَسْتَخْلِفَ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ عَلَى إِنْكَاحِهَا، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُقَدِّمَ الثَّيِّبُ وَلَيَّهَا لِيَعْقِدَ عَلَيْهَا، فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ لَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (أَعْنِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَا مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ).
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ آيَةٌ وَلَا سُنَّةٌ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ، بَلِ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِاحْتِجَاجِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهَا هِيَ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ وَالسُّنَنُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ يَشْتَرِطُ إِسْقَاطَهَا هِيَ أَيْضًا مُحْتَمَلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَحَادِيثُ مَعَ كَوْنِهَا مُحْتَمَلَةً فِي أَلْفَاظِهَا مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا إِلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْقِطُ لَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَنَحْنُ نُورِدُ مَشْهُورَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ وَنُبَيِّنُ وَجْهَ الِاحْتِمَالِ فِي ذَلِكَ: فَمِنْ أَظْهَرِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ مَنِ اشْتَرَطَ الْوِلَايَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} قَالُوا: وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْوِلَايَةِ لَمَا نُهُوا عَنِ الْعَضْلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} قَالُوا: وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا احْتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِل: {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ}، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} قَالُوا: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا. وَقَالُوا: وَقَدْ أَضَافَ إِلَيْهِنَّ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الْفِعْلَ فَقَالَ: أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ وَقَالَ: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ: فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا». وَبِهَذَا الْحَدِيثِ احْتَجَّ دَاوُدُ فِي الْفَرْقِ عِنْدَهُ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَهَذَا مَشْهُورُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ مِنَ السَّمَاعِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَهْيِ قَرَابَةِ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتِهَا مِنْ أَنْ يَمْنَعُوهَا النِّكَاحَ، وَلَيْسَ نَهْيُهُمْ عَنِ الْعَضْلِ مِمَّا يُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ إِذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا (أَعْنِي: بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ أَدِلَّةِ الْخِطَابِ الظَّاهِرَةِ أَوِ النَّصِّ)، بَلْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ ضِدُّ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى مَنْ يَلُونَهُمْ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} هُوَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَوْ لِأُولِي الْأَمْرِ. فَمَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي خِطَابِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا عَامٌّ، وَالْعَامُّ يَشْمَلُ ذَوِي الْأَمْرِ وَالْأَوْلِيَاءَ، قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِطَابَ إِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ بِالْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ بِالشَّرْعِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَوْنُ الْوَلِيِّ مَأْمُورًا بِالْمَنْعِ بِالشَّرْعِ لَا يُوجِبُ لَهُ وِلَايَةً خَاصَّةً فِي الْإِذْنِ، أَصْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ، وَلَوْ قُلْنَا أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ إِذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ لَكَانَ مُجْمَلًا لَا يَصِحُّ بِهِ عَمَلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا صِفَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ شَرْعٌ مَعْرُوفٌ لَنُقِلَ تَوَاتُرًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ التَّوَاتُرِ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْقِدُ أَنْكِحَتَهُمْ، وَلَا يُنَصِّبُ لِذَلِكَ مَنْ يَعْقِدُهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الْوِلَايَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَا لَا يُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. وَأَيْضًا فَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا اشْتِرَاطُ إِذْنِ الْوَلِيِّ لِمَنْ لَهَا وَلِيٌّ (أَعْنِي: الْمَوْلَى عَلَيْهَا)، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةُ لَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا (أَعْنِي: أَنْ لَا تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَلِي الْعَقْدَ) بَلِ الْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ الْوَلِيُّ لَهَا جَازَ أَنْ تَعْقِدَ عَلَى نَفْسِهَا دُونَ أَنْ تَشْتَرِطَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ إِشْهَادَ الْوَلِيِّ مَعَهَا.
وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ التَّثْرِيبِ عَلَيْهِنَّ فِيمَا اسْتَبْدَدْنَ بِفِعْلِهِ دُونَ أَوْلِيَائِهِنَّ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَبِدَّ بِهِ الْمَرْأَةُ دُونَ الْوَلِيِّ إِلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ، فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَعْقِدَ النِّكَاحَ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ الْفَسْخُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَنْ يُحْتَجَّ بِبَعْضِ ظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى رَأْيِهِمْ وَلَا يُحْتَجَّ بِبَعْضِهَا فِيهِ ضَعْفٌ.
وَأَمَّا إِضَافَةُ النِّكَاحِ إِلَيْهِنَّ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِنَّ بِالْعَقْدِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الِاخْتِصَاصُ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ لَعَمْرِي ظَاهِرٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَأْذَنُ وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا الْوَلِيُّ فَبِمَاذَا - لَيْتَ شِعْرِي - تَكُونُ الْأَيِّمُ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا؟
وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا هَذَا الْحَدِيثَ أَحْرَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي السُّكُوتِ وَالنُّطْقِ فَقَطْ، وَيَكُونَ السُّكُوتُ كَافِيًا فِي الْعَقْدِ، وَالِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} هُوَ أَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلِي الْعَقْدَ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَلِي الْعَقْدَ. وَقَدْ ضَعَّفَتِ الْحَنَفِيَّةُ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَكَى ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوِلَايَةَ، وَلَا الْوِلَايَةُ مِنْ مَذْهَبِ عَائِشَةَ. وَقَدِ احْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَلَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي نِكَاحِ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَّ سَلَمَةَ وَأَمْرِهِ لِابْنِهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إِيَّاهُ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي فَمُحْتَمَلٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرُّشْدَ إِذَا وُجِدَ فِي الْمَرْأَةِ اكْتُفِيَ بِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ كَمَا يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ مَائِلَةٌ بِالطَّبْعِ إِلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إِلَى تَبْذِيرِ الْأَمْوَالِ، فَاحْتَاطَ الشَّرْعُ بِأَنْ جَعَلَهَا مَحْجُورَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى التَّأْبِيدِ، مَعَ أَنَّ مَا يَلْحَقُهَا مِنَ الْعَارِ فِي إِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ كَفَاءَةٍ إِلَى أَوْلِيَائِهَا، لَكِنْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْفَسْخُ أَوِ الْحِسْبَةُ، وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ كَمَا تَرَى، لَكِنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الشَّارِعُ اشْتِرَاطَ الْوِلَايَةِ لَبَيَّنَ جِنْسَ الْأَوْلِيَاءِ وَأَصْنَافَهُمْ وَمَرَاتِبَهُمْ، فَإِنَّ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَكَانَ عُمُومُ الْبَلْوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ تُنْقَلَ اشْتِرَاطُ الْوِلَايَةِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاتُرًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ التَّوَاتُرِ، ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ لَيْسَتِ الْوِلَايَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا لِلْأَوْلِيَاءِ الْحِسْبَةُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ شَرْطًا فَلَيْسَ مِنْ صِحَّتِهَا تَمْيِيزُ صِفَاتِ الْوَلِيِّ وَأَصْنَافِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ قَوْلُ مَنْ يُبْطِلُ عَقْدَ الْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ.

.الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْوَلِيِّ:

وَأَمَّا النَّظَرُ فِي الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْوِلَايَةِ وَالسَّالِبَةِ لَهَا، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوِلَايَةِ في النكاح: الْإِسْلَامَ، وَالْبُلُوغَ، وَالذُّكُورَةَ. وَأَنَّ سَوَالِبَهَا أَضْدَادُ هَذِهِ (أَعْنِي: الْكُفْرَ وَالصِّغَرَ وَالْأُنُوثَةَ). وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ وَالسَّفِيهِ.
فَأَمَّا الْعَبْدُ: فَالْأَكْثَرُ عَلَى مَنْعِ وِلَايَتِهِ، وَجَوَّزَهَا أَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا الرُّشْدُ: فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ (أَعْنِي: عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ) أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا (أَعْنِي: الْوِلَايَةَ)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَشْهَبُ، وَأَبُو مُصْعَبٍ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَشْبِيهُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ بِوِلَايَةِ الْمَالِ. فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَدْ يُوجِبُ الرُّشْدَ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ مَعَ عَدَمِهِ فِي الْمَالِ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا فِي الْمَالِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعُ الْوُجُودِ قَالَ:
لَا بُدَّ مِنَ الرُّشْدِ فِي الْمَالِ، وَهُمَا قِسْمَانِ كَمَا تَرَى (أَعْنِي: أَنَّ الرُّشْدَ فِي الْمَالِ غَيْرُ الرُّشْدِ فِي اخْتِيَارِ الْكَفَاءَةِ لَهَا).
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا نَظَرٌ لِلْمَعْنَى (أَعْنِي: هَذِهِ الْوِلَايَةَ)، فَلَا يُؤْمَنُ مَعَ عَدَمِ الْعَدَالَةِ أَنْ لَا يَخْتَارَ لَهَا الْكَفَاءَةَ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْحَالَةَ الَّتِي بِهَا يَخْتَارُ الْأَوْلِيَاءُ لِمُوَلِّيَاتِهِمُ الْكُفْءَ غَيْرُ حَالَةِ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ خَوْفُ لُحُوقِ الْعَارِ بِهِمْ، وَهَذِهِ هِيَ مَوْجُودَةٌ بِالطَّبْعِ، وَتِلْكَ الْعَدَالَةُ الْأُخْرَى مُكْتَسَبَةٌ، وَلِنَقْصِ الْعَبْدِ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي وِلَايَتِهِ كَمَا يَدْخُلُ فِي عَدَالَتِهِ.